الآلوسي
151
تفسير الآلوسي
لا يجنبها ولا بد على معنى أنه يجوز أن يجنبها وجيوز أن لا يجنبها بل يدخلها غير بها وقرر الزمخشري الاستشكال بأنه قد علم أن كل شقي بصلاها وكل تقي بجنيها لا يختص الصلى بأشقى الأشقياء ولا التجنب والنجاة بأتقى الأتقياء وظاهر الجملتين ذلك وأجاب بما حاصله أن الحصر حيث كانت الآية واردة للموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين ادعائي مبالغة لا حقيقي كان غير هذا الأشقى غير صال وغير هذا الأتقى غير مجنب بالكلية واستحسنه في الكشف فقال هو معنى حسن وأنت تعلم أن مبني ما قاله على الاعتزال وتخليد العصاة في النار وقال القاضي إن قوله تعالى لا يصلاها لا يدل على أنه تعالى لا يدخل النار إلا الكافر كما يقول المرجئة وذلك لأنه تعالى نكر النار فيها فالمراد أن ناراً من النيران لا يصلاها إلا من هذه حاله والنار دركات على ما علم من الآيات فمن أين عرف أن هذه النار لا يصلاها قوم آخرون وتعقبه الزمخشري بأنه ما يصنع عليه بقوله تعالى وسيجنبها الأتقى فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة لا الاتقي منهم خاصة وأجيب بأنه لعل هذها القائل لا يقول بمفهوم الصفة ونحوها فلا تفيد الآية المذكورة عنده الحصر ويكون تمييز هذا الأتقى عنده بمجموع التجنب وما سيذكر بعد ولعل كل من لا يقول بالمفهوم لا يشكل عليه الأمر إلا أمر الحصر في لإيصالها الخ فإنه كالنص في بادىء النظر فيما يدعيه المرجئة لحملهم الصلى فيه على مطلق الدخول وأيدوه بما أخرج الإمام أحمد وابن ماجة وابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل النار إلا من شقى قيل ومن الشقي قال الذي لا يعمل لله تعالى طاعة ولا يترك لله تعالى معصية وهذا الخبر ونحوه من الأخبار مما يستندون إليه في تحقيق دعواهم وأهل السنة يؤولون ما صح من ذلك للنصوص الدالة على تعذيب بعض ممن ارتكب الكبيرة على ما بين في موضعه وقيل في الجواب أن المراد بالأشقى والاتقى الشقي والتقي وشاع أفعل في مثل ذلك ومنه قول طرفة . تمنى رجال أن أموت فإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد فإنه أراد بواحد واعترض بأنه لا يحسم مادة الإشكال إذ ذلك الشقي في الآية ليس إلا الكافر فيلزم الحصر أن لا يدخل النار أو لا يعذب بها غيره مع أنه خلاف المذهب الحق وأيضاً أن ذلك التقي فيها قد وصف بما وصف فعلى القول بالمفهوم يلزم أن لا يجنبها التقي الغير الموصوف بذلك كالتقي الذي لا مال له وكغير المكلفين من الأطفال والمجانين مع أن الحق أنهم يجنبونها وقيل غير ذلك ولعلك بعد الاطلاع عليه وتدقيق النظر في جميع ما قيل واستحضار ما عليه الجماعة في أهل الجمع نستحسن ان قلت بالمفهوم ما استحسنه صاحب الكشف مما مر عن الزمخشري وإن لم تكن ممن يقول بتخليد أهل الكبائر من المؤمنين فتأمل وجنب يتعدى إلى مفعولين فالضمير ههنا المفعول الثاني والاتقى المفعول الأول وهو النائب عن الفاعل ويقال جنب فلان خيراً وجنب شراً وإذا أطلق فقيل جنب فلان فمعناه على ما قال الراغب أبعد عن الخير وأصلب جنبته كما قيل جعلته على جانب منه وكثيراً ما يراد منه التبعيد ومنه ما هنا ولذا قلنا أي سيبعد عنها الأتقى . * ( الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّى ) * * ( الَّذِي يُؤْتِي مَالهُ ) * أي يعطيه ويصرفه * ( يَتَزَكَّى ) * طالباً أن يكون عند الله تعالى زاكياً نامياً لا يريد به رياء ولا سمعة أو متطهراً من الذنوب فالجملة نصب على الحال من ضمير يؤتي وجوز أن تكون بدلاً من الصلة فلا محل لها من الإعراب وجوز أيضاً أن يكون الفعل وحده بدلاً من الفعل السابق وحده واعترض كلا الوجهين بأن البدل من قسم التابع المعرف بكل ثان أعرب بإعراب سابقه ولا إعراب للصلة حتى يثبت لها نابع فيه وسبب الإعراب وهو الرفع في الفعل متوفر مع قطع النظر عن التبعية وهو على المشهور تجرده عن الناصب والجازم فليس معرباً بإعراب سابقه لظهور